أبي حيان الأندلسي
390
البحر المحيط في التفسير
تغير . وقال ابن عباس : لا تبديل لقضاء اللّه بسعادتهم وشقاوتهم ، وقيل : هو نفي معناه : النهي ، أي لا تبدلوا ذلك الدين . وقيل : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ بمعنى : الوحدانية مترشحة فيه ، لا تغير لها ، حتى لو سألته : من خلق السماوات والأرض ؟ تقول : اللّه . ويستغرب ما روي عن ابن عباس أن معنى لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ : النهي عن خصاء الفحول من الحيوان . وقول من ذهب إلى أن المعنى في هذه الجملة ألجأ على الكفرة ، اعترض به أثناء الكلام ، كأنه يقول : أقم وجهك للدين الذي من صفته كذا وكذا ، فإن هؤلاء الكفرة ومن خلق اللّه لهم الكفر ، و لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ : أي أنهم لا يفلحون ذلك الذي أمرت بإقامة وجهك له ، هو الدين المبالغ في الاستقامة . والقيم : بياء مبالغة ، من القيام ، بمعنى الاستقامة ، ووزنه فعيل ، أصله قيوم كيد ، اجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فيها ، وهو بناء مختص بالمعتل العين ، لم يجئ منه في الصحيح إلا بيئس وصيقل علم لامرأة . مُنِيبِينَ : حال من النَّاسَ ، ولا سيما إذا أريد بالناس : المؤمنون ، أو من الضمير في : الزموا فطرة اللّه ، وهو تقدير الزمخشري ، أو من الضمير في : فَأَقِمْ ، إذ المقصود : الرسول وأمته ، وكأنه حذف معطوف ، أي فأقم وجهك وأمتك . وكذا زعم الزجاج في : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ « 1 » : أي يا أيها النبي والناس ، ودل على ذلك مجيء الحال في مُنِيبِينَ جمعا ، وفي إِذا طَلَّقْتُمُ * جاء الخطاب فيه وفي ما بعده . جمعا ، أو على خبر كان مضمرة ، أي كونوا منيبين ، ويدل عليه قوله بعد وَلا تَكُونُوا ، وهذه احتمالات منقولة كلها . مِنَ الْمُشْرِكِينَ : من اليهود والنصارى ، قاله قتادة . وقال ابن زيد : هم اليهود ؛ وعن أبي هريرة وعائشة : أنهم أهل القبلة ، ولفظة الإشراك على هذا تجوز بأنهم صاروا في دينهم فرقا . والظاهر أن المشركين : كل من أشرك ، فيدخل فيهم أهل الكتاب وغيرهم . و مِنَ الَّذِينَ : بدل من المشركين ، فَرَّقُوا دِينَهُمْ : أي دين الإسلام وجعلوه أديانا مختلفة لاختلاف أهوائهم . وَكانُوا شِيَعاً : كل فرقة تشايع إمامها الذي كان سبب ضلالها . كُلُّ حِزْبٍ : أي منهم فرح بمذهبه مفتون به . والظاهر أن كُلُّ حِزْبٍ مبتدأ و فَرِحُونَ الخبر . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون مِنَ الَّذِينَ منقطعا مما قبله ومعناه : من المفارقين دينهم . كل حزب فرحين بما لديهم ، ولكنه رفع فرحون على الوصف لكل ، كقوله :
--> ( 1 ) سورة الطلاق : 65 / 1 .